باروخ سبينوزا (١٦٣٢ - ١٦٧٧) هو أحد أعظم وأجرأ الفلاسفة في العصر الحديث وفي تاريخ الفكر البشري بأسره. ولد في أمستردام لعائلة يهودية برتغالية، ولكن بسبب أفكاره الثورية ونقده اللاذع للمفاهيم الدينية التقليدية، تعرض للحرمان الكنسي والطرد من الجالية اليهودية. عاش سبينوزا حياة زاهدة وبسيطة، مقتاتاً من صقل العدسات البصرية، وهو ما أدى في النهاية إلى وفاته بمرض رئوي عن عمر يناهز ٤٤ عاماً. تتبلور فلسفته بشكل رئيسي في تحفته الفلسفية (الأخلاق)، حيث استخدم المنهج الهندسي الاستدلالي لتحليل المفاهيم الميتافيزيقية والأخلاقية. ترتكز فلسفة سبينوزا على مقولته اللاتينية الشهيرة (Deus sive Natura) أي "الله أو الطبيعة"، رافضاً الفكرة التقليدية القائلة بأن الله كائن متعالٍ وخارج عن العالم، بل كان يرى أن الله والطبيعة جوهر واحد لا غير، وكل ما عداه هو مجرد تجليات أو أنماط (Modus) لهذا الجوهر الإلهي الأزلي. هذه الفلسفة الوحدوية (Monism) أرست الأسس للعلم الحديث وأثلت بعمق في فكر شخصيات كبرى مثل هيجل، غوته، وأينشتاين الذي صرح مراراً بإيمانه "بإله سبينوزا". أخلاقياً وسياسياً، كان سبينوزا مدافعاً شرساً عن حرية التعبير والديمقراطية، حيث رأى أن التحرر الحقيقي للإنسان يأتي حصراً من الفهم العقلاني للضرورة الطبيعية وتجاوز الانفعالات العمياء.